هذا المنشور تمت مشاركته في:

قصص قصيرة

160

القصة القصيرة "دموع الفرح"

دموع الفرح

"من الجميل أن يكون لديك العديد من الأحلام والأمنيات، والأجمل من ذلك أن تكون طموحا تسعى للأفضل ولتحقيق كل أمنياتك .. لا تكتف بما تسمعه أو تقرؤه ، حاول أن تجعل من المستحيل حقيقة..

اجعل لك هدفا واسع لتحقيقه .."

كلمات ما زالت ترن في أذن ريم سمعتها من أستاذ التاريخ والفلسفة لكن العقبات المتراكمة المتزاحمة في دربها ، هل ستحول بينها وبين تحقيق أحلامها وأمانيها؟؟؟

ريم فتاة طموحة  حلمها أن تعانق النجوم  وتغزل من خيوط الشمس شالا لوالدتها فصقيع الأيام قد تراكم في عظام أمها. كانت ريم تحب القراءة خاصة تلك القصص التي تتحدث عن العالم العاجي ، هذا العالم الذي فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ..

ذات صباح سمعت والدها قائلا: "كم أشعر بالتقصير نحو أبنائي لا سيما ريم أشفق لحالها وما تعانيه من ملل وكآبة فهي لم تذهب يوما في رحلة ولا تخرج من البيت إلا للضرورة ، سأصحبها معي غدا إلى العمل ستفرح كثيرا وسيفرح بها أرباب عملي لكثرة ما حدثتهم عنها وعن أحلامها ونباهتها"..

استعدت ريم للذهاب مع أبيها ، كانت دائما تسمع والدها وهو يتحدث عن أولئك الذين يعمل عندهم فقد كان صاحب العمل ثريا يملك العديد من الدارات الجميلة (الفلل) في مواقع شتى جميلة يتخذها مصيفا أو مشتى ..

وكانت طبيعة عمل الوالد مزارعا ، يزرع الورود ويقلم الأشجار ويعتني بها كعنايته بأبنائه، يحب عمله كثيرا ويخلص له وصاحب العمل متشبث به كثيرا لإخلاصه في العمل وتفانيه وحرصه على مصلحته وبيته وأمواله في وقت قل فيه أمثال هذا الرجل.

وعند وصولها أخذت الأفكار تتزاحم في مخيلتها خاصة عندما وضعت قدمها عند مدخل القصر ، شعرت وكأنها تقرأ قصة خيالية كتلك القصص التي تتحدث عن قصور الأغنياء أمثال الأميرة النائمة وأخذت تسأل نفسها : ترى هل الهواء الذي يستنشقونه في قصورهم يختلف عن الهواء الذي نتنفسه؟ هل أزهار  حديقتهم تختلف عن الأزهار البرية البريئة المتفتحة حول بيتنا؟

عادت ريم إلى عالمها الحقيقي عندما نبهها والدها بتحية أبناء صاحب البيت الذين تحلقوا حولها مرحبين بها وعلمت سبب تمسك والدها بهم ، لأن الأموال لم تغير شيئا من إنسانيتهم وحسن معاملتهم للغير .

إلا أن هناك صراخاً عالياً كان ينبعث من داخل القصر، أخذ والدها يتساءل عن سبب هذا الصراخ العجيب، إنه بكاء شادي يرفض تناول الطعام وتحاول والدته إرغامه ، العاملات في القصر يتسابقن لحل هذه المشكلة؛ فهذه تحضر علاجا للشهية كتبه الطبيب المختص ، وتلك تقوم بجلب أجمل الألعاب وعزف أجمل الأنغام الموسيقية لفتح شهية الطفل، كل ذلك يحدث أمام عيني ريم ، أخذت الدموع تترقرق في عينيها لأنها تذكرت الأيدي المتزاحمة حول طبق الطعام ، وتذكرت الموسيقى المنبعثة من الملاعق وقد خلا الطبق من أي شيء يتناولونه ، وتذكرت فتات لقيمات الخبز التي كانت تحتفظ بها كي لا تصاب بالعفن وتعد منها طبق العشاء إن تأخر والدها ولم يحضر لهم شيئا بسبب العمل الشاق. وتذكرت دميتها التي عملتها لها والدتها من بقايا الأقمشة المهترئة وأغطية العصير وعيدان الخشب.

وأكثر ما تذكرته ورسم غشاوة على عينيها ، عندما عقدت مقارنة بين هذا القصر العظيم باتساعه وروعته ودفئه مع تلك الليلة عندما أتلف المطر بيتهم الطيني العتيق وتسرب إليه من شقوق سقفه ومن أثلام نوافذه ومن خلعات أبوابه حتى عجز والداها عن تدبر الأمر فاضطرا للبحث عن مكان لإيواء الأطفال عند أحد الجيران ريثما ينصرم ذلك الليل الملعون ..

بكت ريم بكاء حارا ساخناً، التفتت وإذا بوالدة الطفل تضحك وتحمد الله وتتجه إليها وتضمها قائلة : " إن مجيئك عندنا بشارة خير فشادي قد أخذ يتناول طعامه بكل سعادة ، ولكن اعذريني لم أسألك عن سبب دموعك، هل أزعجك أحد ؟

"دموعي تشاطركم الفرح لتقبل صغيركم للطعام سيدتي "

تمام سليمان صالح الحياري

وسائط متعددة ذات صلة