200

حوار العقل، والتناقض..

حوار العقل، والتناقض..

ما نزال نعيش حياتنا وكانها الحياة الابدية، وكاننا سنعيش تفاصيل المستقبل كلها. ننسى بأن الوقت يمضي دونما استئذان، ونتناسى فرضية وجودنا في هذا الكون، ونستهتر بعلّة خلقنا ولا نأبه لما ستؤول له الحال بعد غياب الحال.

لعلّ صعوبة فهم الواقع الحياتي تتجلى في اختلاف مستويات التفكير والوعي، فبعضنا يسلم عقله لنص مكتوب، او فكر مقلوب؛دونما تحمل عناء ضخ كمية من دماء جديدة بين ثنايا تلافيفه المخيّة الآيلة للتلف إن هو ما تركها على سجيتها.

والبعض القليل، يتمادى في حدود التفكير ليشكك في قضايا مسلمّة دونما أدنى اعتبار لمجهود عقلي عميق استنفذه كبار المفكرين والعلماء العقلاء، وهنا أؤكد بأن لا حدود للتفكير، ولا ضوابط للشكوك، ضمن ضوابط أظنها تتعلق بمعتقدات الانسان وموروثاته الاجتماعية والدينية.

فلتجرّب الاستماع الى نقاش بسيط حول قضية بسيطة لا تؤثر في حياة المتناقشين بشكل مباشر، أجزم أن أغلب الكلمات ستكون بصوت مرتفع وحديّ، وتجد أننا- كعرب- نميل إلى الاعتقاد بأحد أمرين؛ أولهما ننقل فكر شخصٍ آخر كما هو ونجزم بصحته، بل وندافع عنه أكثر من صاحب الفكرة نفسها؛ أو لا نكلف نفسنا عناء أخذ نفسٍ طويلٍ لبضع ثوانٍ قبل أن ندلي بدلونا الذي ما وجد وقتاً لينزل الى بئر الافكار وينهل منها كي يخرج لنا بهذه المعتقدات والاجابات الحادّة، التي تهتم بظاهر الأمر وتتفادى الغوص قليلاً في باطنه.

في أي نقاش، حوار، جلسة دعونا نتجنب الاحكام المسبقة، ولنبتعد عن أهوائنا، ولننسى ولو للحظات بأننا إما منتصرون أو مهزومون في "المعركة"، لنجرب ألا نعتبرها معركة وجود، أو تجاوز حدود!

العاطفة والميول تؤثر بشكل مباشر في حسابات الردود، كما للعوامل العقائدية والعقدية أيضاً آثارها الكبيرة والخطيرة على قبول فكرة الحوار لاجل الحوار، والنقاش لأجل الإثراء، لا لأجل الاغراق. ويعتقد البعض بأن السكوت ضعفاً في الردود، وأنه استكانة واستسلام، ويتبنى آخرون ثقافة السلام والاستسلام، فمنهم من يعتبر تجنبه حواراً استسلاماً، وآخرون يرون في سلامهم نصراً ذاتياً، وتمكناً من استبعاد هزيمة محققة!! منذ متى كان الحوار نصراً أو هزيمة؟ ولما يتبنى بعضنا ثقافة الصمت مقابل السلام!

غارقون في بحر من التضارب، تائهون في غياهب التفاصيل البعيدة المغّيبة، والبروباغاندا المنشورة بين يدي العاقل والجاهل، كيف لهذا الحجم المهول من المعلومات أن تخضع لضوابط محاكمة العقل والمنطق-إن وُجدا- لدى معظم الشعوب العربية؟ ثم كيف نستطيع أن نقنع بعضنا بأننا مستهدفون من خلف شاشات زرقاء وصفراء دخلت عقول وقلوب الشباب قبل بيوتهم جميعها!

تلك هي المشكلة، تعلمت باننا نحتاج لوضع يدنا على المعضلة وان نحددها وخصائصها كخطوة أولى للبدء بحلها، وتعلمت بأن مستويات الحل مختلفة، وأن بدائلها كثيرة وكبيرة، وبأن العاقل يدرس ويتفحص البدائل كافة، قبل أن يقرر البديل الناجع برأيه. لا آبه بجدوى الحلول التي يختارها صاحب هذه المنهجية في تسيير امور حياته، وافكاره ومعتقداته. لكن ما يخيفني كثيراً، وأكثر مما كنت اتوقع في وقت سابق، ذلك نفسه الذي سحب حبل دلوه من البئر قبل أن تلامس سطح الماء، وبدأ يترنح يميناً وشمالاً، ويترك لسانه وشفتيه يرقصان على أنغام ما فهمها هو، قبل أن يفهمها المتلقون أمامه أو على جانبيه.

الصبر مفتاح الفرح، حاءً لا جيما:.

كم كنت فرحاً وتراقصت اطرافي غبطةً عندما التقيت بهم، هؤلاء من يستمعون القول فيتبعون أحسنه، من يترك لانفاسك حيزاً أن تكتمل دونما انتقام. أولئك من يبدأون كلامهم بزفير غير مسموع، وينهونه بسكينة واتزان، من يبتدئ حواره بعبارات أعتقد غير جازم، وينهيها بعبارات احترام الرأي المخالف ومن خالفه المواقف.

أعتقد أنه وبهؤلاء يتزين الصبر فرحاً في قلوب من أراد خيراً بهذه الأمه، ألسنا أمة الصبر والاحتساب؟ ثم نحن أمة عظماؤها الاقدمون علمونا آداب الحوار وطرق الاختيار. فما كانوا ينتقون إلا أطايب الافكار، وينسجون بصبر وجَلَد معتقداتهم الفكرية، وآرائهم النقدية

ليس المقصود بالحديث عن ثقافة الحوار، نشر الاستسلام والسكوت عن الحق، بل اختيار الاساليب الكفيلة بانتزاع اهل الحق حقوقهم، ولجم من ابتعد عن تأديته، وتأديبه، فلا نصدق من دعا إلى حوار في ساحة من ساحات السياسة او الاقتصاد، وتفردّ بسلب الحقوق وسحق اصحابها في الميادين كلها. أظن أننا أجبرنا على كره كلمة الحوار الذي يريده القوي على طريقته، والذي فيه يتشدقون بأنهم وباسم صاحب الحق، قد أوفوا بالتزاماتهم تجاههم واستمعوا لهم، واستشاروا واستخاروا. صاحب الحق هو من يقرر، ومن يناقش ومن يهادن، ومن يحارب، ومن يختار الطريق الذي يراه مناسباً لانتزاع حقه انتزاعاً، لا أن يكون على سبيل الطلب والاستقدام.

وسائط متعددة ذات صلة