32

ماذا تعلمنا حقاً من المدرسة؟؟

في المرحلة الابتدائية، أذكرُ درساً مطولاً في مادة العلوم يشرحُ بالتفصيلِ المملِ عن حياة النجوم والمجموعات الشمسية، ألوانُها، ومدة حياتها، وأسماءُها، وأشكالُها. واليوم وبعدَ ما يقارب 10أعوام لا أذكرُ منها شيئاً سوى شكل مجموعة نجوم بنات نعش التي تترتب على شكل "مغرفة طعام" وذلك لأني أراها كل يوم من شرفة منزلي. 
 إنَ التعليمَ الحقيقي، هو ذاك الذي يُبنى على التجربة، وعلى النقاش والحوار، وعلى التطبيق، لا ذاك الذي يبنى على التلقين وإعادة بصم ما في الكتب مثل آلات المسح

في المرحلةِ المتوسطة، أذكرُ من كتابِ التاريخ دروساً مطولةً عن تاريخِ الدولة العثمانية والعباسية، أسماءَ الحكام، ومناطقَ الحكم، والفترات التاريخية، والازدهار ثم الانتكاس الاقتصادي، والازدهار ثُم الانتكاس الثقافي، واختفاء الدولة وظهورُ أخرى. واليوم بعدَ مرور أكثر من 8 أعوام، لا أذكرُ من هذه المعلومات إلا القليلَ الضبابي الذي يعتبرُ معرفةً عامةً عندَ الجميع. 
بعدها بسنواتٍ قليلة، وفي درس الأحياء، تعلمنا بالتفصيل عن نجم البحر، التشريح الجسدي "النظري" له وأنواعه، واليوم بعدَ أعوامٍ كثيرة لا أذكرُ إلا دهشتي عندَما رأيتُ نجم البحر لأول مرة في البحر. وتكرر الأمرُ مراراً وتكراراً لمدة 12 عاماً دراسياً. 12عاماً دراسياً، تنقلتُ خلالها في 4 مدارس، وإن أضفنَا إليها أربعة أعوام ونصف جامعية، تصبحُ حصيلتي الدراسية ما يقاربُ ستةَ عشر عاماً ونصف. لا أذكرُ منها إلا حصة التربية المهنية التي استبدلتها المدرسة وبخطوةٍ غير مسبوقةٍ رائعةٍ بحصة "منهجية البحث العلمي".
كُنا نقضي 45 دقيقة لمرة واحدة أسبوعياً وبالتحديد قبيلَ الفرصة المدرسية في مكتبة المدرسة "الحكومية" بالتعلم عن البحث العلمي ومنهجياته، ولربما يكون الشيءُ الوحيدُ الذي ما أزالُ أذكره من دراستي في المدرسة بشكل واضح وتفصيلي. لأنها الحصة المدرسية الوحيدة التي شعرتُ فيها أنني أتعلم لا أتلقن. واكتسبتُ منها مهارةً ساندتني في مراحل حياتي اللاحقة، مهارة جعلتني مع زميلتينِ لي نفوزُ بالمركز الأول في مجال الأبحاث العلمية على مستوى المدارس، وهذا حدثٌ جللٌ بالنسبةِ لفتاةٍ في الرابعة عشرَ من عمرها ولا مهربَ من أن يعلقَ بالذاكرة. وهذه مهارة ساندتني في كتابة التقارير خلال الجامعة وكانت عوناً كبيراً لي في إنهاء مشروع تخرجي الذي أشارَ البروفيسور المسؤول بأنه "من أفضل الأبحاث التي وصلتنا من ناحية الكتابة".
إنَ التعليمَ الحقيقي هو الذي يبقى معنا حتى بعدَ أعوامٍ طويلةٍ ولا يُطوى تحت ترابِ الذاكرة، هو ذاك الذي يُبنى على التجربة، وعلى النقاش والحوار، وعلى التطبيق، لا ذاك الذي يبنى على التلقين وإعادة بصم ما في الكتب مثل آلات المسح. التعليمُ الحقيقي الذي يثيرُ في داخلنا غبارَ الفضول ولا يسمحُ له بأن يهدأ يوماً أو يستكين، هو ذاكَ الذي يُحرِكُ إعصارَ الدهشة، هذا التعليم هو الذي سيلتصقُ بأدمغتنا ويثيرُ فيها الفضول نحو البحث والاكتشاف وإزالة الستائرِ عن كل ما هو غامض. 
 

إنَ التعليمَ الحقيقي هو الذي يبقى معنا حتى بعدَ أعوامٍ طويلةٍ ولا يُطوى تحت ترابِ الذاكرة

لستُ من "خبراء" وضع المناهج الدراسية، ولستُ من جيشِ التربويين والمعلمين الذين نكنُ لهم الاحترام، ولكنني أحد مخرجات العملية التعليمية التلقينية، وأوقعني حسنُ حظي في أحدِ الأعوام بينَ أحضان تجربة هذه الحصة التعليمية الفريدة، والتي أوقعت في داخلي حبَ البحث والدراسة والقراءة، وجعلت مكتبة المدرسة تملُ من زياراتي اليومية بحثاً عن الدهشة والشغف.
   
ماذا لو أُضيفَت حصة "منهجية البحث العلمي" بشكل منتظم في أحد الأعوامِ الدراسية وتم اختصار القليل من المعلومات التي تُنسى بعد الاختبارات. وماذا لو أُضيفت حصة قراءة، حيثُ يختار المعلم رواية أو كتاب يلازمُ الطلاب طوالَ العام، وتتم مناقشة فصوله بشكل دوري. وماذا لو كانَ الاهتمام بالمكاتب المدرسية وتجديدها بقدرِ الاهتمام بالمقصف المدرسي ونوعية الطعام فيه؟ 
   

وماذا لو كانَ الاهتمام بالمكاتب المدرسية وتجديدها بقدرِ الاهتمام بالمقصف المدرسي ونوعية الطعام فيه؟ 


بعد أعوام طويلة وبعدَ إنهاء المراحل الدراسية، لن يتذكر الطلاب خطوات تشريح نجم البحر نظرياً، ولن يتذكر أحد درجة حرارة النجم ذو اللون الأحمر، وبالتأكيد لن يتذكروا أسماء حُكَّام الدولة العثمانية.. لكنهُم سيتذكرونَ حصةً تثيرُ في قلوبهم الدهشة مثل حصة منهجية البحث العلمي، وسيتذكرونَ الكتب التي ستُقرأ في مكتبة المدرسة. سيتذكرونَ الدهشة والشغف والنقاشات وساعات البحث والتعلم.. فهذهِ وحدها تبقى في الذاكرة بعدَ أن ينطفئ كُلُ شيء.
 

وسائط متعددة ذات صلة

لا يوجد حاليا محتويات.