65

عربي في برلين

                                                                                                                                                                 

أشعر بتعبٍ قد فاقت لكماته آلام الجسدِ، تعبٌ نفسي، ظل صدري يسارعُ في دقاته، ربما لو كانت وحدتي الصحية قريبةٌ مني لَأجريت فحصًا يرسم بالبيان مدى سرعة نبضاتي، لكني أريد أن أصل، ففي الانقطاع مشقة أعاني منها منذ أن تركني الوطن أبحث عن وطن آخر، ربما خذلني لأنه ليس بخير في تلك السنوات، من المؤكد إن استعاد عافيته سينادي عليَّ بأعلى صوته:

 

  • يوسف المصري، فلتعُد مرةً أخرى، أنا الآن بخير. أنا وطنك.

 

سأفكر قليلًا في أمر تلبية النداء، لا سأفكر كَثيرًا، لا لا لن أُلبي، أنا الآن أقدم على حياة بلا يأس، شغف العمل يدور من حولي، من حقي أن أطمح مرة للعلو، قد سئمت السقوط، وحتى لو فشلتُ، أكرم لي خُذلان المحاولة، لكنه لن يحدُث، فأنا في طريقي لاستلام عملي الجديد في إحدى شركات الحاسوب الصغيرة، على ما يبدو أن الفشل هو هاجسٌ يتضارع معي لما خلفته ذكرى ماضية يجب أَن أطرُدها من جوف ذاكرتي العربية العفنة.

 

 

يا لعقلي السخيف التافه، ويا لنفسي المُشتتة، ظلا يتحدثان حتى تاه جسدي، كان مقر الشركة هُناك في آخر الطريق عندما كُنت في المُنتصف ولا أدري أقريب أنا أم بعيد، في أول يوم بالعمل سوف أتأخر، سينطَبعون أنني عربيٌ مهمل لا أحترم الوقت، ربما الحكمة المصرية التي تقول السائل لا يتوه تكون المُنقذة.

 

ولحسن الحظِ، إنّها فتاة شقراءٌ أطول مني، أعلم مني أيضًا، استوقفتها لحظة أقصرُ منها، فسألتُها فلوحت بيدها ناحية اليسار وأجابت بصوت رقيق حازم:

 

  • استدرِ ناحية اليسار وسِر إلى آخر الطريق، فالتفت ناحية اليمين، ستجد ما تاه منك.

 

ومضت دون أن تسمعني وأنا أجزل لها الامتنان.

 

يبدو أنها لم تُعجب بي، اقشعرت ناحيتي بالعروبة، هل زادت قوميتُها بمقدار ما قلت مني!

هل رأت ناحيتي الاغتراب الذي أخفيت ملامحهُ!

 وحتى لو كان ذلك، فما الضرر! ما سبب الضجر الآن! لا شيء، عليَّ الصمت والامتثال وتنفيذ ما قالت دون ثرثرة داخلية حتى أصل إلى عملي بهدوء وسلام نفسي.

 

تحدثتُ الألمانية مع فريق العمل في شركتي الجديدة، كانت كلماتها تتبعثر مني بلباقة، توجستُ أنهم يعاملونني كألمانيّ مثلهم، يا لمقدار ذكائِي وثبات انفعالي، والحمدُ لله على سعة وقته، لو كنت تأخرت ربما ارتسمت على وجوههِم تجعيدة استحقار بدلًا من ابتسامة احترام، بل من المُمّكن أن يفكروا في جَمع أمثالي الذين يتأخرون ويحرقونهم أو يسمح لهم القانون أن يقتلوننا، بحجة أننا نشجع المُجتمع على الغفلة، ولكن لن يفعلوا هذا، لقد انتهى زمن العُنصرية، لقد ندموا على “الهولوكوست” وتبرؤوا مِمّن تسبب بها.

 

من جديد عاودت الحديث الذي سيفقدني كل شيء، أنا غبي، قد كررت تلك الفعلة أكثر من مرة، يجب إيقاظ عقلي من هواجسه الهدامة، أنا مصري، عربي يعيش وسط مجتمع غريب في بدايته، لستُ أول إنسان يأتي ويعمل، ها هو مدير الشركة البروفيسور “بَلَّاَك”  قادمٌ بنفسه ليُصافحني بحرارة، بالتأكيد لن يكون من ضمن من سيقتلونني.

وسائط متعددة ذات صلة

لا يوجد حاليا محتويات.