75

سؤال الصراع الحضاري

في القرن الماضي وفي إحدى أهم المقالات التي تحاول استشراق المستقبل كتب هنتنجتون حول صدام الحضارات وبعد جدل واسع خلفته المقالة، ألف كتابا موسعا حول ذات الموضوع، ودارت أطروحته  حول كون الصدام بالتاريخ الإنساني مر بمراحل عديدة بدأت بصراع الأباطرة والملوك وثم الشعوب أي الدولة القومية والتي استمرت حتى انتهت الحرب العالمية الثانية حيث بدأ الصدام الأيديولوجي مع ظهور الاتحاد السوفيتي كقوة ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية واستمرت حتى انهار المشروع الشيوعي في تجربته الأولى، واعتبر هنتنجتون أن صراع الحضارات بدأ من هناك وتحديدا منذ الصراع في البلقان والتي صورت إعلاميا كصراع طائفي رغم الطابع القومي و الأثني الذي دعمه الدين أي ما كان هنتنجتون يطلق عليه سابقا صدام الشعوب وحتى فكرة صراع الحضارات القائم على الغرب والآخر الذي يشمل كل ما هو غير غربي من حضارة صينية وإسلامية وهندوسية وغيرها والتي تحيا في صراع دائم مع الغرب، إن أردنا البحث في النتيجة النهائية فإن الإشكالية الأولى هي تعريف ماهية الحضارة ففي العديد من التعريفات يكون مفهوم الحضارة واسعا يشمل النتاج الثقافي العلمي والفني بما فيه من فن معماري وتشكيلي وغيره من الأشكال و ايضا تشمل النظم السياسية وأشكال العلاقات الإجتماعية داخل المجتمع فبالتالي الحديث عن صراع الحضارات بدأ بعد الحرب الباردة و بالتالي يتعين عليه البحث في مستويات الحضارة ففعليا بالعصر الحديث من ناحية البحث في مستوى النظم السياسية هنالك فئة سترى عدم وجود صراع فالطرح الغربي للنظم السياسية الديمقراطية لم يعد يعني العداء للطرح في الحضارة الإسلامية فهي قادرة على استيعاب المستجدات الفكرية على اعتبارها حاضرة قامت على تزاوج معارف وحضارات منوعة سبقتها بالإضافة لتجربتها الغنية وهناك فئة أخرى ضمن ذات الحضارة تؤكد على تفرد الحضارة الاسلامية في طرح حول نظام سياسي لا يتفق والنظام الديمقراطي العالمي الحديث الذي يتمثل في الغرب وهذا يخلق صراع على مستويين مستوى داخل الحضارة وهذا ما لم يذكر هنتنجتون حيث صراع فكري حول تأويل النصوص التي تمثلها الحضارة أو حتى اعتبار النصوص مقدسة أو إعادة مراجعها وبين فئة تعتقد بقدسيتها وربما تأخذها بحرفيتها ومستوى صراع حضاري بين الغرب الذي يدعي مطالبته انظمة حالية فيما يعرف بالشرق المسلم بالديمقراطية و المبادئ الغربية وبين حقيقة المصالح التي تغض النظر عند عدم الحاجة عن كل انتهاكات يعتبر الغرب نفسه وصيا عليها إن اختلف مع نظام ما في هذا الشرق

 

وإن تم البحث في مستوى آخر من الحضارة وهي الثقافة والهوية كجزء من الحضارة تظهر عبر الفنون والمظاهر العامة في الدولة والإنتاج العلمي والبحث وغيرها من المظاهر من المؤكد أن جزءا من الثقافة يعد عالميا حيث إن التراكم المعرفي الإنساني وحده القادر الذي يفسر النجاح التكنولوجي الحديث فلم يحدث وتتطور دولة ما وحدها منذ الصفر وحتى النووي إنما كانت كل حضارة تستفيد من مخلفات حضارات أو حتى من منتجات حضارات قائمة كما فعلت الحضارة الإسلامية عندما استفادت من الورق المنتج في الصين آنذاك إلا أن ايا من عمليات التبادل الفكري العالمي لم يعني عدم وجود ثقافات متميزة عالميا وهذا ما لم يحتاج لإثبات وعند البحث بفكرة الصراع الثقافي على اعتباره جزء من الحضارة فستكون فكرة صدام الحضارات الحديثة –ما بعد الحرب الباردة-غير منطقية لأن الشكل الثقافي للحضارة قد تعرض للكثير من الصدامات عبر التاريخ ولو أخذنا إسبانيا نموذجا فسنذكر أن الثقافة واللغة الإسبانية قد تفاعلت مع الحضارة الاسلامية الوافدة ولكنها من ناحية أخرى قد أدت لتلاشي اللغة الاسبانية بتلك المرحلة وفرضت ثقافة عربية من منطلق القوة ليكون الشخص الحضاري في ذلك الزمان مرتبط بالمقدرة على الحديث باللغة العربية بل والكتابة بها بالتالي وكون اللغة والقراءة والكتابة بها تشكل هوية فعلية للفرد وميول فكرية فإن افتراض حدوث صراع بين حضارة اسبانية كانت قبل مجيء المسلمين وبين تلك التي عايشتها إسبانيا في المرحلة الأندلسية وبين ما اصبحت عليه بعد استعادتها الارض الاسبانية وفي نموذج آخر الجزائر في حالة الاستعمار الفرنسي والذي كان لسلطة القوة به وجود على اللغة الجزائرية والتي اصبحت الكثير من الكلمات المحكية فيها فرنسية وأصبحت فرنسا وجهة لعدد غير قليل ممن يفكرون بالهجرة من الجزائر وفي العصر الحديث فإن الثقافة الاستهلاكية الغربية هي المروجة إعلاميا والتي يظهر أثرها بشكل كبير مما يعني استفادة الغرب المنتج وخسارة ما اعتبر الآخر ،وفكرة الآخر مقابل الغربي بحد ذاتها فكرة استعمارية جاءت مع البحوث الاستشراقية والتي شكلت بأحد محاورها مبررا لفرض هيمنة على شعوب ما بعد تصويرها بأشكال بدائية أو جاهلة بمتطلبات العصر الحديث وفق المنظور الغربي.

 

والمستوى الحضاري المتعلق بالنظام الاقتصادي والاجتماعي فهناك نظرتين الأولى ترى بان تطور الفكر اللاقتصادي العالمي وصولا للرأسمالية الحديثة هي شكل طبيعي لتطور الاقتصاد البشري وفئة وفقا للحضارة الاسلامية تعتقد بوجود نظام اقتصادي مختلط يقوم الاسلام بطرحه وطبعا بكل الأشكال يتناقض هذا الطرح مع اعتبار هنتنجتون الصراع الأيديولوجي مرحلة مرت سابقا بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي بينما بقاء أحد أطراف الصراع كقوة وحيدة لن يعني عدم ظهور الطرح المخالف وإن كان في المرحلة الحالية بشكل ضعيف بسبب تمركز القوة بجانب معين دون توازن في القوى ومن هنا يظهر شكل صراع أبدي يعرف بالطبقية ودوليا تكون بين دول المركز المسيطرة والدول التي تدور في فلكها ومع عدم وجود  دولة قوية منافسة تطرح وجهة النظر الأخرى فحتى الفكرة الاقتصادية التي يعتبر الاسلام متبنيا لها تبقى خارج إطار حتى التنظير الكافي رغم وجود محاولات من مفكرين إسلاميين للتنظير حولها ويبقى مستوى الصراع الاقتصادي كجزء من الحضارة قائما فعليا منذ الازل فنعود لفكرة الصراع الحضاري الحديث الذي يختزل احيانا كطرح إعلامي غربي بالإسلام وهنا تكمن المغالطة فمعظم اشكال الصرع الذي يتضمن معنى الحضارة الشمولي سبق ووجدت ولم تكن محصورة بين الحضارة الإسلامية والغربية ولكنها حسب التسلسل التاريخي للأحداث والتي ادت لحروب صليبية واستعمار وتلك التي خرجت من الشرق إلى الغرب باسم الفتوحات ولكن بشكل آخر فقد كان هناك توسع شرقي ومثاله محاولات المغول في العالم الإسلامي والمد الإسلامي في شرق آسيا رغم اختلاف الحضارات فالشرق ليس حضارة واحدة بل حضارات متعددة وحتى الغرب فقد سبق وكان هناك تنافس داخلي في تاريخه وصراعات داخلية بالتالي الصراع صراعات والحضارات مستويات عديدة لا تؤخذ بمطلقها إلا ان الأساس الوحيد الغير مختلف عليه هو فكرة الصراع بإختلاف اشكاله ومستوياته

 

وسائط متعددة ذات صلة