15

أخبرني عن سوريا- حوار قصصي بين جد وحفيده

كانت تجاعيد ما تحت عينيه تزداد تكدسا وفقا لضوء الشمس الخافت القادم من بعيد، تتزاحم نظرات الخلق بحثا عن الودِّ فيما بينها، وصوت عربة القطار يبعث أمَل الوصول في القلوب، وترانيم ترتيل القرآن من الوجود يطرب آذان المستمع الذي سبق في الترتيل ثم غشى الصمت أحيانا وغالبًا. 

نظر الشيخ إلى صغيره وهو يلتمسُ خصلات شعره وحدثه بصوت صداه يتعجب:

– أتَنم مرةً أخرى؟! فلتكمل كتاب القصص!
– فأجاب بصوتٍ نعسٍ يتساءل: متى نصل يا جدي!
– نصل في القريب إن شاء ربُ القصص.
– ولكن اكتمل شعوري بالمللِ
– من القصص!
– من الانتظار؟

 

  • تبقى لنا من الزمن ساعة على دمشق

  • وما هي دمشق!

  • مثلها كمثل القاهرة.

  • بلد المُعز؟

  • كلا، بلد المليون مُعِز

وقد انجلت على تجاعيد الطفل اللامبالاة وما إن ارتسمت على وجههِ الابتسامة إلا حين رأى قطع الحلوى تظهر من حقيبة جَدِه، فأخذها وعاد بنظره إلى كتابه مرةً أُخرى لا يُبالي ما لا يفهم.

فتابع الجَدِ: القاهرة والقدس ودمشق.

فنظر بلا أدنى رد فعل.

فتابع: مقصدي مصر وفلسطين وسوريا.

فوقف الصغير من مكانه صائحًا: أعرف مصر فهي بلدي وموطني

  • وفلسطين وسوريا بلدك وموطنُك أيضًا.

  • فسادت البلاهة مرةً اُخرى على ملامحهِ طلبًا للفهم.

  • يا حفيدي، الأمر ليس صعبًا، دعني أسردُ لك القصة.

  • قصة سوريا!

  • قصة الحق والباطل

  • فتنهد الصغير قائلًا

  • فقاطعه الجَدِ: لا تقاطعني، مصر وسوريا وفلسطين بِلاد العربِ و المُسلمين قد تكالب عليهم الأعداء ليسرقوا ثرواتها ويحكُموها سطوةً رغم أنف أهلها، وظل الحال هكذا سنوات طويلة، حتى ثار أهل البلاد على حُكامها وطال الصراع بينهُما.

  • أي صراع!

  • صراع الحق والباطل

  • وهل كان الحاكم المُتسلط أجنبيًا كما يسردُ التاريخ لنا!

  • في فلسطين كان مُحتلًا أجنبيًا.

  • ومصر وسوريا.

  • كان وطنيًا ولا يعرف شيئًا عن الوطن.

  • أكان مسلمًا!

  • بلا، ولا يعرف شيئًا عن الإسلام.

  • وأي شيءٍ كان يعرف!

  • كان يعرف إذا غفل الشعب عنه سَرَقهُ، وإذا اعترض على سرقته سَجنِه، أما إذا قاومه قَتله.

  • وكيف انتصر الشعب على حاكمه؟

 

فالتقط نفسه وأجاب:

 

  • انتصر بالإيمان والعزم.

  • فردد مندهشًا العزم العزم!

  • نعم أي الصبر على الابتلاء والعمل على رفع الظُلم

  • إذًا احكي لي عن سوريا.

  • أعطيني زجاجة المياه، فأعطاه فارتوت عروقه بعد الظمأ وتابع:

  • قبل أن تولد بعشرة أعوام سقط حاكم سوريا الظالم.

 

فصاح مرةً أُخرى:

 

  • أي منذ اثنين وعشرين عامًا، وتساءل: ومن أسقطه؟

  • نعم، أسقطه أهل سوريا الأحرار بعدما ذاقوا منه ويلات العذاب والقتل على مرِّ عشرات السنوات؟

  • فحدق الولد إلى جَده مشتاقًا للسماع.

  • فتابع الذي يسرد: في يوم من الأيام عام ٢٠١١ قام أهل درعا بالاحتجاج على اعتقال الحاكم لأطفال المدرسة؟

  • فقاطعه يتلألأ: درعا أتقصُد دمشق؟

  • كلا، أقصُد مدينة درعا، مهد الثورة والمقاومة في سوريا.

  • وماذا بعد الاحتجاج!

  • كان السجن والتعذيب لأهل درعا، حتى ثار أهل دمشق وبقية المُدن، فأصبح الحاكم الظالم في حيرةٍ من أمره، لا يعرف إسكات أصوات الحق.

  • وما الذي حدث؟

  • سجن البعض فلم يأتِي السجن بالمُراد، فبدأ يقتل من يُعارضه في الميادين فما أتى القتل بالاستسلام، بل أتى بالمقاومة

  • كيف قاوموا؟!

  • بدأ الشعب بتشكيل فصائل مسلحة لحماية ثورتهم ورد عدوان الظالم عليهم.

  • وبذلك انتصروا!

  • فتبسم مشفقًا: كلا بذلك أصبحوا تحت رُماد قصف الطائرات الروسية

  • ياجَدِي قد سهوت الطائرات السورية مقصدك، قد بَدَلت الحروف عن مكانها.

  • لا، بل أقصد ما تفوهَ مني وظل يُكرر الطائرات الروسية الروسية وليست السورية، وتابع إن انتصار أهل سوريا ليس على الحاكم الظالم فقط بل كان على دولٍ عظمى أيضًا كانت تساعد الظالم في قتلهم.

 

تملَكَ الفتور من الولَدِ:

 

  • إذًا كيف انتصروا في النهاية؟

  • انتصروا بعد تحرير القاهرة بسبعة أعوام

  • وهل كانت القاهرة مُحتلة أيضًا؟

  • كانت في قبضة ظالم آخر،

  • وما سبيل القاهرة في تحرير دمشق!

  • كَسبيل تحرير القدس ومكة، واستفهم بصوت حكيم: أتعرف مَكة؟

  • فتفوَهَ بأقصى درجات الثقة قائلًا:

  • بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولى الحرمين الشريفين وثاني القبلتين

  • همسَ في أُذنيه: أضف إلى ذاكرتك كانت مُحتلة أيضًا.

  • من المُحتل هذه المرة؟

  • استعد وساعدني في حَمل الحقائب، قد وصلنا بلا مَلَلِ.

  • متى نُكمل حكاية مكة!

  • بعد أن نسرد قصة تحرير القُدس

  • والقاهرة!

  • بعد أن ننتهي من دمشق.

 

ظل الولد في تكرار استفهامه متى متى متى!

 

  • فطمأنَهُ الجَدِ سيسردُ لك التاريخ كل شيء فلا تقلق.

 

وسائط متعددة ذات صلة

لا يوجد حاليا محتويات.